الشيخ علي المشكيني
132
رسائل قرآنى
وبالجملة : الإنسان بما هو إنسان وإن كان مخلوقاً ممكناً ، فهو جدير بالخلافة عن الواجب ، مثالًا له في الأرض من جهات شتّى . وفي الحديث : « وللَّهالأسماء الحسنى ، والأمثال العليا » . وهم كوامل البشر من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام . وفي الزيارة الجامعة : « السلام على أئمّة الهدى . . . والمثل الأعلى » . « 1 » فالإنسان مَثَل وهم أعلاه . وفي الدعاء الأوّل من الصحيفة السجاديّة : « وجعل لنا الفضيلة بالملكة على جميع الخلق فكلّ خليقته منقادةٌ لنا بقدرته ، وصائرةٌ إلى طاعتنا بعزته » . « 2 » وهذه من صفات الإنسان الكامل الذي هو الخليفة . وخروج البعض منهم ممّن أسّرته الشهوات ، فأسقط نفسه عن مقام الإنسانيّة ، وأخلد إلى الأرض وأتبع هواه ، لا ينافي الجدارة الذاتيّة واللياقة بالطبع . ثمّ إنّه يظهر من سؤال الملائكة : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا أنّهم قد فهموا كون المخلوق في الأرض من شأنه أن يفسد فيها ويسفك الدماء ، وقد مرّت الإشارة إلى طرق علمهم بذلك ، مع كون خلافته مقتضية لعدم الفساد . والأوجه أن يقال : إنّهم قد اعتقدوا جهله بما يجب أن يعلم من التوحيد وسائر المعارف ، مع علمهم بأنّه موجود أرضي ومن طبعه وجود الشهوات المتنوّعة والغرائز المختلفة فيه ، فالجهل المقارن بتلك الصفات يلازم الجور والفساد والطغيان وسفك الدماء . والشاهد على ما قلنا : أنّ آدم لمّا تعلّم الأسماء كلّها ومن جملتها أسماء اللَّه تعالى وصفاته ، وأنبأ بها في ملئهم ، أقرّوا بالخطأ ، واعترفوا بجدارة آدم على الخلافة . فعلم من ذلك أنّه كان استنادهم في عدم اللياقة بكونه موجوداً أرضيّاً واعتقادهم بجهله وعدم وجود استعداد التعلّم فيه . ومنها : تكريمه وتفضيله ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا « 3 » .
--> ( 1 ) . كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، 610 ، ح 3213 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 96 ، ح 177 . ( 2 ) . الصحيفة السجّادية ، ص 30 ، الدعاء ( 1 ) . ( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 70 .